ابن عجيبة

536

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : « مختلفا » : نعت « ثمرات » . و « مختلف ألوانه » : صفة لمحذوف ، أي : صنف مختلف . يقول الحق جل جلاله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ؛ بالماء ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها أي : أجناسها ، كالرمان ، والتفاح ، والتين ، والعنب ، وغيرها مما لا يحصى ، أو : ألوانها : هيئاتها من الحمرة والصفرة ونحوهما . وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ ؛ طرق مختلفة اللون . جمع : جدّة ، كمدّة ومدد . والجدة : الطريقة والخطة ، تكون في الجبل ، تخالف لون ما يليها . وكل طريقة من سواد أو بياض فهي جدة . قاله الهروي . وهي مبتدأ وخبر ، أي : وطرق بِيضٌ وَحُمْرٌ كائنة من الجبال . وَغَرابِيبُ سُودٌ أي : ومنها غرابيب سود ، أي : ومن الطرق سود غرابيب ؛ جمع : غربيب ، وهي الذي أبعد في السواد وأغرب ، ومنه : الغراب . قال الهروي : هي الجواد ذوات الصخور السود ، والغربيب : شديدة السواد . ه . وفي الصحاح : تقول هذا أسود غربيب ، أي : شديد السواد ، وإذا قلت : غرابيب سود ؛ تجعل السود بدلا من غرابيب ؛ لأن توكيد الألوان لا يتقدم . ه . تقول : أصفر فاقع ، وأسود حالك ، ولا يتقدم الوصف ، ونقل الكواشي عن أبي عبيد : أن في الآية تقديما وتأخيرا ، تقديره : وسود غرابيب . وفائدته : أن يكون المؤكد مضمرا ، والمظهر تفسيرا له ، فيدل على الاعتناء به ، لكونهما معا يدلان على معنى واحد ه . ولا بد من تقدير حذف مضاف في قوله : وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ أي : من الجبال ذو جدد بيض ، وحمر ، وسود غرابيب ؛ حتى يؤول إلى قولك : ومن الجبال مختلف ألوانه ، كما قال : ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها . [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 28 ] وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ( 28 ) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ ، أي : ومنهم صنف مختلف ألوانه بالحمرة والصفرة والبياض والسواد . كَذلِكَ أي : كاختلاف الثمرات والجبال . قال القشيري : تخصيص الفعل بهيئته وألوانه من أدلة قصد الفاعل وبرهانه . فإتقان الفعل وإحكامه شواهد الصنع وإعلامه . وكذلك أيضا الناس والدواب والأنعام ، بل جميع المخلوقات ، متجانس الأعيان ، مختلف الصفات ، وهو دليل ثبوت منشئها بنعت الجلال ه . الإشارة : ألم تر أن اللّه أنزل من سماء الغيوب ماء الواردات الإلهية ، فأخرجنا به ثمرات ، وهي العلوم والأذواق والوجدان ، مختلف ألوانها ، فمنها علوم الشرائع ، وتحقيق مسائلها ، ومنها علم العقائد ، وتشييد أدلتها وبراهينها ، ومنها علوم اللسان بإتقان قواعدها ، ومنها علم القلوب وتصفيتها من العيوب ، وهو علم الطريقة ، ومنها علم الأسرار ، وهي أسرار الذات والصفات ، وهو علم الحقيقة . ومن جبال العقل طرق بيض ، وحمر ، وسود ، فالبيض : طرق الكشف والبيان ، وحلاوة الذوق والوجدان ، والحمر : طرق الدليل والبرهان ؛ لأنها قد تظهر وتخفى ، والسود الغرابيب : عقول